حظ اليد والرجل من العبودية لله
اليدان والرجلان من جوارح الإنسان وأركانه التي يعتمد عليها في أداء الغالب من أعماله وحركته وسعيه .
وهذه الجوارح هي من نعم الله تعالى العظيمة على الإنسان ؛ فلو فقد إنسان أحد هذه الأطراف لتأثرت بذلك حياته كلها ، وأصبح به نسبة من العجز العملي والكسبي .
ومن الحكمة في خلق هذه الأعضاء ، تيسير حركة الإنسان لأداء ما كلفه الله به من أعمال في هذه الدنيا ، وليقوم بعبادة ربه شكرًا لبعض نعمه عليه .
ولهذه الجوارح كغيرها من أعضاء الإنسان أعمال خاصة بها تكتمل بها عبوديته لله تعالى ؛ فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله واجب ، وكذلك لأداء دين على الصحيح ؛ ومنه إعانة المضطر ، ورمي الجمار ومباشرة الوضوء والتيمم .
والحرام : كقتل النفس التي حرم الله قتلها ، ونهب المال المعصوم ، وضرب من لا يحل ضربه ، ونحو ذلك ، وكأنواع اللعب المحرم بالنص ؛ كالنرد ؛ ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفًا أو نسخًا ، إلا مقرونًا بردها ونقضها ؛ وكتابة الزور والظلم ، والحكم الجائر ، والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب ؛ وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم ، ولاسيما إن كسبت عليه مالاً : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [ البقرة : 79 ] ؛ وكذلك كتابة المفتي على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله ، إلا أن يكون مجتهدًا مخطئًا فالإثم موضوع عنه .
وأما المكروه : فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام ، وكتابة ما لا فائدة في كتابته ولا منفعة في الدنيا والآخرة .
والمستحب : كتابة كل ما فيه منفعة في الدين ، أو مصلحة لمسلم ، والإحسان بيده بأن يعين صانعًا ، أو يصنع لأخرق ، أو يفرغ من دلوه في دلو المستقي ، أو يحمل له على دابته ، أو يمسكها حتى يحمل عليها ، أو فيما يحتاج إليه ، ونحو ذلك ؛ ومنه لمس الركن بيده في الطواف .
والمباح : ما لا مضرة فيه ولا ثواب .
وأما المشي الواجب : فالمشي إلى الجمعات والجماعات ، في أصح القولين ؛ والمشي حول البيت للطواف الواجب ، والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه ، والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه ، والمشي إلى صلة رحمه وبر والديه ، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه ، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر .
والحرام : المشي إلى معصية الله ، وهو من رَجْل الشيطان ، قال تعالى : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [ الإسراء : 64 ] ، قال مقاتل : استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم ؛ فكل راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس .ا.هـ . ولم يذكر الشيخ -- المكروه والمستحب والمباح .
والمشي المستحب : ما كان في طاعة غير واجبة ، كالمشي لحضور مجالس الذكر والوعظ ، أو لزيارة غير واجبة .. ونحو ذلك .
وأما المشي المكروه : فالمشي في نعل واحدة أو خف واحد لغير عذر ؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - في الصحيحين - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا " ( 1 ) .
وأما المشي المباح : فإلى ما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين ، فيكون حكمه حكم ذلك الفعل .
( 1 ) البخاري ( 5855 ) ، ومسلم ( 2097 ) .
شمول العبادة لعمر الإنسان
تمتد العبادة مع الإنسان منذ ولادته وحتى مماته ، فإنما ولد عبدًا لله تعالى وإن لم يكن مكلفًا في مراحل عمره الأولى حتى يبلغ ؛ لكنه عبدٌ لله تعالى .. هكذا خلقه ربه Y ؛ ثم يؤمر بالعبادة من سن التمييز ليعتاد على أدائها ، ثم إذا بلغ سن التكليف سجلت له وعليه أعماله وأقواله ، وهكذا حتى يموت ؛ قال الله تعالى : ] وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ [ ( الانفطار : 10 ، 11 ) ، وقال Y : ] مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ( ق : 18 ) .
وقد أمر الله تعالى نبيه e بعبادته حتى يأتيه أجله فقال U : ] وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ ( الحجر : 99 ) ؛ قال المفسرون : المعنى : واعبد ربك حتى يأتيك الموت ، الذي هو مُوقَن به ؛ أي : ما دمت حيًّا فلا تخل بالعبادة ؛ قال الزجاج -: معنى الآية : اعبد ربك أبدًا ، ولو قيل : اعبد ربك ، بغير توقيت ، لجاز إِذا عبد الإِنسان مرة أن يكون مطيعًا .ا.هـ . وقال الرازي -
: فإن قيل : فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات ؟ قلنا : المراد منه : واعبد رَبَّكَ في زمان حياتك ، ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة ، والله أعلم ( [1] ). قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ
: أي قوم ! المداومةَ المداومة ، فإن اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ ( [2] ) .
فالعبادة ملازمة للعبد حتى يموت ؛ وتلك حال العبد مع ربه Y ، لا يخل وقت من أوقاته ، ولا حال من أحواله ، إلا وتتمثل فيه عبودية لله تعالى .
فائدة :
قال ابن كثير -: ويستدل بهذه الآية الكريمة : ] وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ على أن العبادة - كالصلاة ونحوها - واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا ، فيصلي بحسب حاله ، كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين أن رسول الله e قال : " صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ " ( [3] ) . ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين : المعرفة ، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم ، وهذا كفر وضلال وجهل ؛ فإن الأنبياء -
- كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم ، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة ، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت ( [4] ) .
وقال الشنقيطي -في ( أضواء البيان ) : اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف من أن معنى اليقين : المعرفة بالله
، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبر عنها باليقين - أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف ؛ لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة .
إن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة ، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين ؛ وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلاً ، بل يسمى لعبًا . ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم وأصحابهم أعلم الناس بالله ، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم ، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله، وأشدهم خوفًا منه وطمعًا في رحمته ؛ وقد قال
: ] إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء [ [ فاطر : 28 ] ؛ والعلم عند الله تعالى ( [5] ) .
[1] - انظر تفسير الرازي عند الآية ( 99 ) من سورة الحجر .
[2] - انظر الزهد لابن المبارك ( 18 ) والزهد لابن أبي عاصم ص 272 .
[3] - البخاري ( 1117 ) ؛ ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة .
[4] - انظر تفسير ابن كثير عند الآية ( 99 ) من سورة الحجر .
[5] - انظر ( أضواء البيان ) للشنقيطي : 2 / 457 .
شمول العبادة لأحوال الإنسان
الإنسان في أحواله كلها من حركة وسكون لابد أن تظهر فيه صفة العبودية لله تعالى ؛ قال الله تعالى : ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ [ الأنعام : 162 ، 163 ] ، ولا يقوم بحق هذه العبودية إلا من علم الحق وطلب النجاة ؛ علم أن الله تعالى هو خالقه وموجده من العدم والمتفضل عليه بعظيم النعم ؛ فدعاه ذلك إلى توحيد ربه U ، وتصديق رسله تعالى ، والقيام بحق العبودية له Y ؛ طمعًا في مرضاته ورحمته وجنته ، وطلبًا للنجاة من عذابه .
ولا ينفك الإنسان في حياته عن أحد أمور ثلاثة : نِعَمٌ ، وابتلاءات ، وذنوب ؛ فالعبد لا ينفك عن أمر يفعله ، ونهي يتركه ، وقَدَرٍ يُجرى عليه ؛ وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر ، ففعل المأمور هو الشكر ؛ وترك المحظور والصبر على المقدور هو الصبر ؛ فإن وقع في المحظور ففرضه الاستغفار والتوبة .
فكل حال من أحواله في الدنيا تقع تحت أحد هذه الأمور الثلاثة ؛ ومع كل واحد من هذه الأمور عبادة خاصة به ؛ فللنعم : الشكر ، وللابتلاءات : الصبر ، وللذنوب التوبة والاستغفار ؛ ولهذا قال من قال من السلف : إني أصبح بين نعمة وذنب ، فأريد أن أحدث للنعمة شكرًا وللذنب استغفارًا ؛ قال ابن تيمية -: فالصبر و الشكر على ما يقدره الرب على عبده من السراء و الضراء ، من النعم و المصائب ، من الحسنات التي يبلوه بها والسيئات ، فعليه أن يتلقى المصائب بالصبر ، والنعم بالشكر ، ومن النعم ما ييسره له من أفعال الخير ، ومنها ما هي خارجة عن أفعاله ، فيشهد القدر عند فعله للطاعات وعند إنعام الله عليه فيشكره ، ويشهده عند المصائب فيصبر ، وأما عند ذنوبه فيكون مستغفرًا تائبًا ، كما قال : ] فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ ( غافر : 55 ) .ا.هـ ( [1] ) .
ونقل ابن تيمية -- عن الشَّيْخِ أَبُي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْقَادِرِ أنه قال فِي كِتَابِ ( فُتُوحِ الْغَيْبِ ) : لَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : أَمْرٌ يَمْتَثِلُهُ ، وَنَهْيٌ يَجْتَنِبُهُ ، وَقَدَرٌ يَرْضَى بِهِ ؛ فَأَقَلُّ حَالَةٍ لَا يَخْلُو الْمُؤْمِنُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلْزِمَ بِهَا قَلْبَهُ ، وَيُحَدِّثَ بِهَا نَفْسَهُ ، وَيَأْخُذَ بِهَا الْجَوَارِحَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ .ا.هـ .. ثم قال ابن تيمية : هَذَا كَلَامٌ شَرِيفٌ جَامِعٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ] إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ ( يوسف : 90 ) ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ] وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [ [ آل عمران : 120 ] ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ] وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ [ آل عمران : 186 ] ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى تَتَضَمَّنُ : فِعْلَ الْمَأْمُورِ ، وَتَرْكَ الْمَحْظُورِ ؛ وَالصَّبْرَ يَتَضَمَّنُ : الصَّبْرَ عَلَى الْمَقْدُورِ ، فَالثَّلَاثَةُ تَرْجِعُ إلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، وَالثَّلَاثَةُ فِي الْحَقِيقَةِ تَرْجِعُ إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَهُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا أُمِرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ لَهَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ [ [ الذاريات : 56 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ] وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ [ الحجر : 99 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ [ البقرة : 21 ] ؛ وَالرُّسُلُ كُلُّهُمْ أَمَرُوا قَوْمَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَقَالَ تَعَالَى : ] وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ [ النحل : 36 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ] وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ[ [ الزخرف : 45 ] .
وَإِنَّمَا كَانَتْ ( الثَّلَاثَةُ ) تَرْجِعُ إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ بِفِعْلِ [ شَيْءٍ ] مِنْ الْفَرَائِضِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، يَحْتَاجُ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ الْمَأْمُورِ ؛ وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي تَحْدُثُ أَسْبَابُ الْمَعْصِيَةِ يَحْتَاجُ إلَى الِامْتِنَاعِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا فِعْلٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ؛ وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَخْطِرْ لَهُ الْمَعْصِيَةُ بِبَالِ فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ عَدَمُ ذَنْبِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِسَلَامَتِهِ مِنْ عُقُوبَةِ الذَّنْبِ ؛ وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ الْمُسْتَمِرُّ لَا يُؤْمَرُ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِأَمْرِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَذَاكَ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا ؛ سَوَاءٌ كَانَ إحْدَاثَ إيجَادِ أَمْرٍ أَوْ إعْدَامِ أَمْرٍ .
وَأَمَّا ( الْقَدَرُ الَّذِي يَرْضَى بِهِ ) فَإِنَّهُ إذَا اُبْتُلِيَ بِالْمَرَضِ أَوْ الْفَقْرِ أَوْ الْخَوْفِ ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ أَمْرَ إيجَابٍ ، وَمَأْمُورٌ بِالرِّضَا إمَّا أَمْرُ إيجَابٍ ، وَإِمَّا أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ ؛ وَلِلْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَنَفْسُ الصَّبْرِ وَالرِّضَا بِالْمَصَائِبِ هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مِنْ امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَهُوَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ .
لَكِنْ هَذِهِ ( الثَّلَاثَةُ ) وَإِنْ دَخَلَتْ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَعِنْدَ التَّفْصِيلِ وَالِاقْتِرَانِ : إمَّا أَنْ تُخَصُّ بِالذِّكْرِ ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : يُرَادُ بِهَذَا مَا لَا يُرَادُ بِهَذَا ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ : ] فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ [ هود : 123 ] ، وَقَوْلِهِ : ] فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [ [ طه : 14 ] ، فَإِنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي الْعِبَادَةِ إذَا أَطْلَقَ اسْمَ الْعِبَادَةِ ، وَعِنْدَ ( الِاقْتِرَانِ ) إمَّا أَنْ يُقَالَ : ذِكْرُهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : ذِكْرُهُ خُصُوصًا يُغْنِي عَنْ دُخُولِهِ فِي الْعَامِّ ؛ وَمِثْلُ هَذَا قَوْله تَعَالَى : ] إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ [ الفاتحة : 5 ] ، وَقَوْلُهُ : ] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا . وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [ [ المزمل : 8 : 10 ] ، وَقَدْ يُقَالُ : لَفْظُ ( التَّبْتِيلِ ) لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأُمُورَ الْمَعْطُوفَةَ كَمَا يَتَنَاوَلُهَا لَفْظُ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَرْقٌ مَا بَيْنَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَى جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ ، أَوْ عِنْدَ حُبّ الشَّيْءِ وَبُغْضِهِ .
وَكَلَامُ الشَّيْخِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَدُورُ عَلَى هَذَا الْقُطْبِ وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكَ الْمَحْظُورَ ، وَيَخْلُوَ فِيمَا سِوَاهُمَا عَنْ إرَادَةٍ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لَهُ مُرَادٌ غَيْرُ فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ؛ وَمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ الْعَبْدُ بَلْ فَعَلَهُ الرَّبُّ U بِلَا وَاسِطَةِ الْعَبْدِ ، أَوْ فَعَلَهُ بِالْعَبْدِ بِلَا هَوَى مِنْ الْعَبْدِ ؛ فَهَذَا هُوَ الْقَدَرُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى بِهِ .ا.هـ ( [2] ) .
وصفوة القول : أن رحى عبودية العبد تدور على أمور ثلاثة : الشكر والصبر والاستغفار ؛ وسأحاول أن أبين ذلك في المباحث التالية ؛ بإذن الله تعالى .
[1] - انظر ( مجموعة الفتاوى ) : 8 / 327 ، 328 .
[2] - انظر مجموع الفتاوى : 10 / 455 : 459 .
عبادة الشكر
الشُّكْرُ : الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف ، فهو عِرْفانُ الإِحسان ونَشْرُه ، ولا يكون إِلا عن يَدٍ ، أي : نعمة ، وقال ابن الأثير في ( النهاية ) : الشكرُ مُقابَلةُ النِّعمَة بالقَول والفِعل والنيَّة ؛ فيُثْنِي على المُنْعم بلِسانه ، ويُذِيب نفْسِه في طاعتِه ، ويَعْتَقِد أنه مُولِيها ( [1] ) .
وفي التنزيل العزيز في مدح نوح u : ] إِنَّه كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [ ( الإسراء : 3 ) ، وفي الصحيحين عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ t أَنَّ النَّبِيَّ e صَلَّى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟! فَقَالَ : " أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا " ( [2] ) ؛ فالشَّكُورُ من عباد الله هو الذي يجتهد في شكر ربه بطاعته وأَدائه ما وَظَّفَ عليه من عبادته ؛ وقال الله تعالى : ] اعْمَلُوا آلَ داودَ شُكْراً وقليلٌ من عِباديَ الشَّكُورُ [ ( سبأ : 13 ) نصب ( شُكْرًا ) لأَنَّهُ مفعول له ، كأَنه قال : اعملوا شكرًا ( [3] ) .
فأصل الشكر ذكر المنعم والعمل بطاعته ؛ وهذا الشكر نصف الإيمان ؛ فالإيمان كما قال ابن مسعود t : نصفٌ صبر ونصفٌ شكر ؛ وهذا مأخوذ من قوله e : " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " ( [4] ) ؛ وفي توجيه ذلك قال ابن القيم : إن العبد فيه داعيان : داعٍ يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها ، وداعٍ يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم ؛ فعصيان داعي الشهوة والهوى هو الصبر ، وإجابة داعي الله والدار الآخرة هو الشكر ( [5] ) .
دواعي عبادة الشكر
إذا علم العبد أن الله تعالى هو خالقه ، فنعمة وجوده في هذه الدنيا من الله U ، وكافة النعم التي أوليها وسخرت له هي من الله تعالى ؛ إذا علم ذلك ، كان ذلك داعيًا لأن يشكر واهب النعم Y على نعمه ؛ فالخير كله من الله كما قال تعالى : ] وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ ( النحل : 53 ) ، وقال تعالى : ] وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [ ( الحجرات : 7 ، 8 ) ، وقال : ] يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ ( الحجرات : 17 ) ، وقال تعالى : ] اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ ( الفاتحة : 6 ، 7 ) ، وهؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله : ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [ ( النساء : 69 ) .
فالنعم كلها هبة ومنة من مِنَنِ الله Y وفضله على عبده ؛ وسواء في ذلك ما يتعلق بنعمة الإيجاد والإمداد ، أو بنعمة الهداية والإرشاد ؛ كل ذلك من الله تعالى ؛ أفلا يستوجب ذلك أن يجتهد العبد ويستفرغ وسعه في شكر ربه Y ؟! ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل ، وكذلك نقيضه وهو الكفر ، عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل ؟
ونِعَم الله الكريم كثيرة جليلة يعجز المرء عن حصرها ، ولذلك يعجز عن شكرها ؛ قال الله تعالى : ] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ ( إبراهيم : 34 ) ، وقال Y : ] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ ( النحل : 18 ) ؛ وقد علم الله سبحانه عجز عباده عن شكر نعمه فوصفهم باللائق بهم فالإنسان ظلوم لنفسه كفور لنعم ربه ؛ وأبى U إلا أن يتفضل على عباده بمقابلة ظلمهم لأنفسهم وكفرهم لنعم ربهم بالمغفرة والرحمة ؛ لمن كان مطيعًا ولحقه تقصير لضعفه البشري ، فقابل قوله في الآية الأولى : ] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ بقوله في الآية الثانية : ] إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ ، فالحمد لله حمدًا يليق بكرم وجهه وعظيم سلطانه ، سبحانه لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه .
فإذا علم العبد ما يستحقه الله من الشكر الذي لا يستحقه غيره ، صار علمه بأن الحسنات من الله يوجب له الصدق في شكر الله والتوكل عليه ؛ ولو قيل : إنها من نفسه لكان غلطًا ، لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل ، وما كان لعمله فيه مدخل فإن الله هو المنعم به ، فإنه لا حول و لا قوة إلا بالله ، ولا ملجأ و لامنجى منه إلا إليه ( [6] ) .
من هنا لابد أن يعلم أن الله تعالى هو المستحق للعبادة لذاته Y ، فهو المتفضل بالخلق .. المتفضل بالنعم .. المتفضل بقبول استغفار عبده .. المتفضل بإثابة عبده على شكره ؛ ولله در القائل :
هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة الـنار لم تضـرم
أليس من الواجب المستحــق على الورى الشكر للمنعم
فالنفوس العلية الزكية تعبده لأنه أهل أن يُعبد ويُجَلَّ ويُحبَّ ويُعظَّمَ فهو لذاته مستحق للعبادة ( [7] ) .ا.هـ .
هذا ، والعلم عند الله تعالى ، وللحديث صلة .
[1] - انظر لسان العرب باب الراء فصل الشين ؛ والنهاية في غريب الحديث والأثر ( مادة ش ك ر ) .
[2] - البخاري ( 1130 ، 4836 ، 6471 ) ، ومسلم ( 2819 ) ، وغيرهما عن المغيرة ، ورواه البخاري ( 4837 ) ، ومسلم ( 2820 ) وغيرهما بنحوه عن عائشة.
[3] - انظر لسان العرب باب الراء فصل الشين ، والنهاية في غريب الحديث والأثر ( مادة : ش ك ر ) .
[4] - رواه مسلم ( 2999 ) عن صهيب t .
[5] - انظر ( عدة الصابرين ) ص 90 .
[6] - انظر ( مجموع الفتاوى ) : 14 / 341 ؛ وجاحمة النارِ ، أَي : توقُّدُها .
[7] - انظر ( مدارج السالكين ) : 2 / 76 .
كيفية الشكر
عبادة الشكر عبادة عظيمة تشمل عمل القلب واللسان والجوارح ؛ فإن أصل الشكر - كما يقول ابن القيم - هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة ، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها ، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا ، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكِر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها ، ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها أيضا ، ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها ؛ فلابد في الشكر من علم القلب ، وعمل يتبع العلم ، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له ( [1] ) .
من هنا كان لابد في شكر النعم من أمور حتى يكون العبد شاكرًا أو شكورًا :
أحدها : معرفة الربوتوحيده ، والعلم بأنه U مسدي هذه النعم ومسخرها لخلقه ؛ وأنه وحده المستحق للعبادة ، فيجتهد العبد في ذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه،لأنالشكرهواستفراغالوسعفيطاعةالله.
ثانيا : اللهج ( [2] ) بحمد الله وشكره بالقلب واللسان والجوارح .
ثالثا : أن تصرف النعمة في طاعة المنعم Y ؛ فالشكر تشاركت فيه طوائف الناس من مسلمين وغيرهم ، ومن سعة رحمة الباري سبحانه أن عدَّه شكرًا ، ووعد عليه الزيادة وأوجب فيه المثوبة ؛ لكن إذا علمت حقيقة الشكر وأن جزء حقيقته : الاستعانة بنعم المنعم على طاعته ومرضاته ، علمت اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة ، وأن حقيقة الشكر على المحاب ليست لغيرهم ، نعم لغيرهم منها بعض أركانه وأجزائه ، كالاعتراف بالنعمة ، والثناء على المنعم بها ؛ فإن جميع الخلق في نعم الله ، وكل من أقر بالله ربا وتفرده بالخلق والإحسان فإنه يضيف نعمته إليه ، لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر وهو الاستعانة بها على مرضاته ؛ وقد كتبت عائشة –- إلى معاوية t : إن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه : أن لا يجعل ما أنعم عليه سبيلا إلى معصيته ( [3] ) .ا.هـ ولله در القائل :
أَنَالَكَ رِزْقَهُ لِتَقُومَ فيهِ بطا ... عَتِهِ وتَشْكُرَ بعضَ حَقِّهْ
فلمْ تَشْكُرْ لنعمتِهِ ولكنْ ... قَويِتَ على معاصِيهِ برزقِهْ
فنعمة الصحة تنفق في الجهاد ، ونصرة المظلوم ، وإعانة من يحتاج إلى معاونة ، واستعمال البدن في طاعة الله تعالى من فرائض ونوافل .
ونعمة المال ؛ لابد فيها من أمرين مهمين ، الأول : أن تكتسب بطريق حلال ، والثاني : أن تنفق في طرق الحلال ؛ فمن شكر نعمة المال : إنفاقه في سبيل الله تعالى ، على ذوي القربى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ؛ وكذلك إنفاقه في الجهاد ؛ ومن شكر هذه النعمة ألا يبخل على نفسه ولا على من يعول إن كان ذا سعة ؛ قال الله تعالى : ] وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [ ( الإسراء : 26 ) ، وقال تعالى : ] وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [ ( الفرقان : 67 ) .
فشكر نعمة المال إنفاقه في ما يحب المنعم Y ، وكفران هذه النعمة إنفاقه فيما لا يحبه Y ؛ ولعبد الله بن المبارك :إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَهَا ... فإنَّ المعاصيَ تُزيلُ النعمْ
وداومْ عليها بشكرِ الإله ... فشُكْرُ الإلهِ يُزِيلُ النِّقَمْ
وهكذا نعمة البصر ، ونعمة السمع ، ونعمة الكلام ، ونعمة التذوق،ونعمةالشم،وقدتقدممايتعلقبعبوديةكلٍ.
وهكذا كل نعمة يقتضي شكرها أن تصرف في طاعة المنعم Y .
[1] - انظر ( طريق الهجرتين ) : 1 / 168 : 170 .
[2]- لَهِجَ بالأَمر لَهَجًا : أُولِعَ به واعْتادَه .
[3] - انظر ( مدارج السالكين ) : 2 / 253 .
عموم عبادة الشكر لقلب الإنسان ولسانه وجوارحه
مما سبق يتبين أن عبادة الشكر تعم القلب واللسان والجوارح ؛ ومن هنا قال الله تعالى : ] اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ ( سـبأ : 13 ) ، وقال الشاعر :أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
فاليد للطاعة ، وهي كناية عن عمل الجوارح ، واللسان للثناء ، والضمير ، أي : القلب ، للحب والتعظيم .
قـال ابن تيمية -: مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ؛ قَـالَ اللَّهُ تَعَالَى : ] اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا [ ، وَقَامَ النَّبِيُّ e حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : " أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا " ( [1] ) ... وَبَابُ سُجُودِ الشُّكْرِ فِي الْفِقْهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ e عَنْ سَجْدَةِ سُورَةِ ( ص ) : " سَجَدَهَا داود تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا " . ( [2] ) .ا.هـ .
ولما كانت عبادة الشكر بهذه المكانة العظيمة وهذا العموم الذي يشمل القلب واللسان والجوارح ، قال ابن القيم -: ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان ، ولذلك كان أرفعها وأعلاها ، وهو فوق الرضا ، وهو يتضمن الصبر من غير عكس ، ويتضمن التوكل والإنابة والحب والإخبات والخشوع والرجاء ، فجميع المقامات مندرجة فيه ، لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له ، ولهذا كان الإيمان نصفين : نصف صبر ، ونصف شكر ؛ والصبر داخل في الشكر ، فرجع الإيمان كله شكرا ، والشاكرون هم أقل العباد كما قال تعالى : ] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ ( سـبأ : 13 ) .ا.هـ ( [3] ) .
فائدة :
قال ابن القيم –: إن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب ، مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ، وإن الأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنِّه وصدقته على عبده أن أعانه عليها ، ووفقه لها ، وخلق فيه إرادتها ، والقدرة عليها ، وحببها إليه ، وزينها في قلبه ، وكره إليه أضداها ؛ ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ، ولا هي على قَدْرِه Y ، بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه ، فلو طالبه بحقه لبقي عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بشكرها ، فلذلك لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم ، كما ثبت ذلك عن النبي e ، ولهذا نفى النبي دخول الجنة بالعمل ، كما قال e : " لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ " وفي لفظ : " لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ " وفي لفظ : " لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ " قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ " ( [4] ) ؛ وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل كما في قوله : ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ ( النحل : 32 ) ؛ ولا تنافي بينها ، إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد ، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال وكون الأعمال ثمنا وعوضًا لها . ا.هـ ( [5] ) .
[1]- متفق عليه ، وتقدم تخريجه .
[2]- انظر مجموع الفتاوى : 11 / 135 ، 136 باختصار .
[3] - مدارج السالكين : 1 / 137 .
[4]- رواه أحمد في مواطن منها : 2 / 256 ، 326 ، والبخاري ( 5673 ، 6463 ، 6467 ) ومسلم ( 2816 ) ، وابن ماجة ( 4201 ) عن أبي هريرة y .
[5] - انظر ( مدارج السالكين ) : 1 / 94 ، 95 .
عبادة الصبر
يحتاج الإنسان في أموره كلها إلى الصبر ؛ فإذا كان الصبر ثلاثة أقسام : إما صبر عن المعصية فلا يرتكبها ، وإما صبر على الطاعة حتى يؤديها ، وإما صبر على البلية فلا يشكو ربه فيها ، وإن كان العبد لا بد له من واحد من هذه الثلاثة ، فالصبر لازم له أبدا ، لا خروج له عنه البتة ( [1] ) .
ولما كان الإيمان نصفين : نصف صبر ، ونصف شكر - كما تقدم - كان حقيقا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين ، ولا يعدل عن هذين الطريقين القاصدين ، وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ، ليجعله الله يوم لقائه مع خير الفريقين ( [2] ) ؛ وقد ذكر ابن القيم -- اعتبارات لهذا التنصيف ، منها : إن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية ، وهى ترجع إلى شطرين : فعل وترك ؛ فالفعل هو العمل بطاعة الله ، وهو حقيقة الشكر ؛ والترك هو الصبر عن المعصية ، والدين كله في هذين الشيئين ؛ فعل المأمور ، وترك المحظور .
ومنها : أن الإيمان قول وعمل ؛ والقول : قول القلب واللسان ، والعمل : عمل القلب والجوارح ، وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ، ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنا ، كما قال عن قوم فرعون : ] وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [ ( النمل : 14 ) ، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح : ] وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [ ( العنكبوت : 38 ) ، وقال موسى لفرعون : ] قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [ ( الإسراء : 102 ) ، فهؤلاء حصل قول القلب ، وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين ؛ وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنا ، بل كان من المنافقين ؛ وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا حتى يأتي بعملالقلبمنالحبوالبغض والموالاة والمعاداة ، فيحب الله ورسوله ، ويوالى أولياء الله ويعادى أعداءه ، ويستسلم بقلبه لله وحده ، وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا ، وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به .
فهذه الأركان الأربعة [ العلم بالقلب ، والإقرار باللسان ، واستسلام القلب لله وحده ، والانقياد لمتابعة الرسول e وطاعته ] هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه ، وهى ترجع إلى علم وعمل ، ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهى ، وكلاهما لا يحصل إلا بالصبر ، فصار الإيمان نصفين : أحدهما الصبر ، والثاني متولد عنه من العلم والعمل .
ومنها : إن الدين كله رغبة ورهبة ، فالمؤمن هو الراغب الراهب ، قال تعالى : ] إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [ ( الأنبياء : 90 ) ، وفي الدعاء عند النوم الذى رواه البخارى في صحيحه : " اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ » الحديث ( [3] ) . فلا تجد المؤمن أبدًا إلا راغبًا وراهبًا ، والرغبة والرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر والشكر ، فرهبته تحمله على الصبر ؛ ورغبته تقوده إلى الشكر .
ومنها : إن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة ، أو يضره في الدنيا والآخرة ، أو ينفعه في أحد الدارين ويضره في الأخرى ؛ وأشرف الأقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها ، وهو حقيقة الإيمان ؛ ففعل ما ينفعه هو الشكر ، وترك ما يضره هو الصبر .
ومنها : إن الدين مبنى على أصلين : الحق والصبر ، وهما المذكوران في قوله تعالى : ] وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [ ( العصر : 3 ) ؛ ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس ، وكان هذا هو حقيقة الشكر ، لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه ؛ فكان الصبر نصف الإيمان ، واللهأعلم ا.هـ ( [4] ) .
إذا علم هذا علم أن الصبر لا ينفك عنه قول ولا عمل للمؤمن ؛ وأنه كما قال النبي e : " وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ " ( [5] ) .
[1] - انظر ( طريق الهجرتين ) : 1 / 400 .
[2] - انظر ( عدة الصابرين ) ص 5 .
[3] - البخاري ( 247 ، 6311 ) ، ومسلم ( 2710 ) .
[4] - انظر عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص 88 : 90 ، باختصار .
[5] - رواه البخاري ( 1469 ، 6470 ) ، ومسلم ( 1053 ) وغيرهما عن أبي سعيد y .
عبادة الصبر في السراء والضراء
الابتلاء من سنن الحياة ولوازمها ، وهو يشمل الخير والشر والسراء والضراء ؛ فليس الابتلاء - كما يفهم البعض - خاص بالضراء فقط ، بل هو عام في السراء والضراء ، في الخير والشر ؛ قال الله تعالى : ] كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [ ( الأنبياء : 35 ) ؛ وقال تعالى : ] فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [ ( الفجر : 15 ، 16 ) ؛ فبينت الآية من سورة الأنبياء أن الابتلاء واقع في الخير والشر ؛ كما بينت آيات سورة الفجر مثالا من هذا الابتلاء وهو أن إكرام الله ونعمته على عبده بكثرة المال إنما هو ابتلاء ؛ وكذلك التضييق على العبد في رزقه وإقلال ماله إنما هو ابتلاء ؛ وهكذا كل أحوال العبد هي ابتلاء : فالصحة ابتلاء ، والمرض ابتلاء ، وأسباب الفرح والسرور ابتلاء ، وأسباب الحزن والكرب ابتلاء .
وكذلك جعل الله Y كل شيء في هذه الحياة ابتلاء للبشر ، قال الله تعالى : ] وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [ ( هود : 7 ) ، وقال U : ] إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ ( الكهف : 7 ) ، وقال Y : ] الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ ( الملك : 2 ) ، وقال سبحانه : ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [ ( الأنعام : 165 ) .
والمؤمن في حياته يبتلى بأمور كثيرة من سراء وضراء وخير وشر ؛ والعجب أن كثيرا من الناس لا يعدُّون الابتلاء إلا في الضراء ، مع أن الابتلاء في السراء أشد ، إذ النعم قد يغفل معها الإنسان ، بل قد يطغى ؛ قال الله تعالى : ] إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [ ( العلق : 6 ، 7 ) . وفي سنن الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا ؛ ثُمَّ ابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ بَعْدَهُ فَلَمْ نَصْبِرْ ( [1] ) .
والحكمة من الابتلاء في السراء لينظر الله تعالى ما يفعل عباده فيما أعطاهم من أسباب السراء كالمال والصحة والعافية والولد ونحو ذلك ... أيشكرون أم يكفرون ؟ ومن هنا قال سليمان u عندما وجد عرش بلقيس مستقرا عنده : ] هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[ ( النمل : 40 ) .
وأما الابتلاء في الضراء فلينظر الله U ما يصنع عباده : أيصبرون أم يجزعون ؛ روى أحمد عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ : " إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ ، فَمَنَ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ ، وَمَنْ جَزَعَ فَلَهُ الْجَزَعُ " ( [2] ) ؛ والمعنى فمن صبر فله أجر الصبر ، ومن جزع فله جزاء الجزع . وروى الترمذي وابن ماجة عَنْ أَنَسٍ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e أَنَّهُ قَالَ : " عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ " ( [3] ) ؛ ويحتمل المعنى هنا أمرين ؛ الأول : من رضي بالقضاء فله الرضا من الله تعالى ؛ ومن سخط فعليه من ربه السخط ؛ الثاني : من رضي بالقضاء فله أجر الرضا ، ومن سخط فله جزاء السخط . وقال ابن مسعود t : إن اللهبقسطه وحلمه جعل الرَّوح والفرح في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ( [4] ) .
وقد أقسم الله تعالى أنه ليبلون خلقه ؛ ثم بشَّر الصابرين ، قال الله تعالى : ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ ( البقرة : 155 ) .
من ذلك يترتب أمران :
الأول : أن الابتلاء مما لا ينفك عنه إنسان سواء أكان في ضراء أم في سراء .
الثاني : أن الصبر هو عبادة الإنسان عند الابتلاء عموما ، وذلك في السراء والضراء ، وعلى ذلك فالصبر يدخل في جميع عبادات العبد ؛ وذكر الرازي في تفسيره عن أهل السنة قولهم : إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات ، كأنه يقول : تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات ( [5] ) .ا.هـ .
هذا ، والعلم عند الله تعالى .
[1] - رواه الترمذي ( 2464 ) وحسنه ، ورواه عبد الرزاق ( 20996 ) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وفيه قصة .
[ 2 ] - رواه أحمد : 5 / 427 ، 428 ، 429 ، قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) : 2 / 291: ورجاله ثقات .ا.هـ . وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 3406 ) .
[ 3 ] - التِّرْمِذِي ( 2396 ) وحسنه ، وابن ماجة ( 4031) وصححه الباني في صحيح الترمذي ، وصحيح ابن ماجة .
[4] - الرضا عن الله بقضائه ( 93 ) .
[5]- انظر تفسير الرازي عند الآية ( 98 ) من سورة الحجر .
أهل الجنة والصبر
بالصبر على التكاليف الشرعية وعلى الإيذاء في الله تعالى يصل أهل الإيمان إلى الجنة ؛ قال الله تعالى : ] إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [ ( المؤمنون : 111 ) ، وقال U : ] أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا [ ( الفرقان : 75 ) ، وقال Y : ] وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [ ( الإنسان :12) ، وقال جلَّ وعلا : ] وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [ ( الرعد : 22 ) ، ويخاطبهم الملائكة في الجنة : ] سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ ( الرعد : 24 ) .
الصبر والشكر عبادتان متلازمتان
مما سبق يتضح أمر مهم في حياة الإنسان ألا وهو أن الصبر والشكر عبادتان متلازمتان ، فالصبر نعمة من الله تعالى تحتاج إلى شكر ، والشكر عمل بالقلب واللسان والجوارح يحتاج إلى صبر ، فالمؤمن في غالب حياته يكون شاكرًا صابرًا ؛ كما سبق في حديث صهيب t : " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " .
يقول ابن القيم -: فمنازل الإيمان كلها بين الصبر والشكر ؛ والذي يوضح هذا هو أن العبد لا يخلو قط من أن يكون في نعمة أو بلية ، فإن كان في نعمة ففرضها الشكر والصبر : أما الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيل بمزيدها ، وأما الصبر فعن مباشرة الأسباب التي تسلبها ، وعلى القيام بالأسباب التي تحفظها ، فهو أحوج إلى الصبر فيها من حاجة المبتلى ؛ ومن هنا يعلم سر مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر ، وأن كلا منهما محتاج إلى الشكر والصبر ، وأنه قد يكون صبر الغني أكمل من صبر الفقير ، كما قد يكون شكر الفقير أكمل ، فأفضلهما أعظمهما شكرا وصبرا ، فإن فضل أحدهما في ذلك فضل صاحبه ؛ فالشكر مستلزم للصبر لا يتم إلا به ، والصبر مستلزم للشكر لا يتم إلا به ؛ فمتى ذهب الشكر ذهب الصبر ، ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر ؛ وإن كان في بلية ففرضها الصبر والشكر أيضا : أما الصبر فظاهر ، وأما الشكر فللقيام بحق الله عليه في تلك البلية ، فإن لله على العبد أن يقوم بعبوديته في هذا وهذا ؛ فعلم أنه لا انفكاك له عن الصبر ما دام سائرا إلى الله ( [1] ) .ا.هـ . ولمحمود الوراق :
عَطِيَّتُُهُ إذا أَعْطَى سرورٌ ... وإنْ أَخَذَ الذي أَعْطَى أَثَابَا
فأيُّ النعمتينِ أعمُّ فضلاً ... وأَحْمَدُ في عواقِبِها إِيَابَا
أنِعْمَتُهُ التي أَهْدَتْ سُرُورًا ... أم الُأخرَى التي أهدتْ ثَوابَا
بل الأُخرى وإنْ نزلتْ بكرهٍ ... أحقُّ بشكرِ مَنْ صبرَ احتسابا
وقال ابن تيمية -: مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ إنْ كَانَ يَسُرُّهُ : فَهُوَ نِعْمَةٌ بَيِّنَةٌ ؛ وَإِنْ كَانَ يَسُوءُهُ : فَهُوَ نِعْمَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ خَطَايَاهُ ، وَيُثَابُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ ؛ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ لَا يَعْلَمُهَا ، ] وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [ ( البقرة : 216 ) ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ : " وَاَللَّهِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ : إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " ، وَإِذَا كَانَ هَذَا وَهَذَا ، فَكِلَاهُمَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَكِلْتَا النِّعْمَتَيْنِ تَحْتَاجُ مَعَ الشُّكْرِ إلَى الصَّبْرِ ؛ أَمَّا نِعْمَةُ الضَّرَّاءِ فَاحْتِيَاجُهَا إلَى الصَّبْرِ ظَاهِرٌ ، وَأَمَّا نِعْمَةُ السَّرَّاءِ فَتَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ فِيهَا ؛ فَإِنَّ فِتْنَةَ السَّرَّاءِ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : اُبْتُلِينَا بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا ، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ ؛ وَفِي الْحَدِيثِ : " أَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى " ؛ وَالْفَقْرُ يَصْلُحُ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَالْغِنَى : لَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ إلَّا أَقَلُّ مِنْهُمْ ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْمَسَاكِينُ ، لِأَنَّ فِتْنَةَ الْفَقْرِ أَهْوَنُ ، وَكِلَاهُمَا يَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي السَّرَّاءِ : اللَّذَّةُ ، وَفِي الضَّرَّاءِ : الْأَلَمُ ، اشْتَهَرَ ذِكْرُ الشُّكْرِ فِي السَّرَّاءِ ، وَالصَّبْرِ فِي الضَّرَّاءِ ؛ قَالَ تَعَالَى : ] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ . وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ . إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [ ( هود : 9 : 11 ) ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَ السَّرَّاءِ أَحْوَجُ إلَى الشُّكْرِ ، وَصَاحِبَ الضَّرَّاءِ أَحْوَجُ إلَى الصَّبْرِ ؛ فَإِنَّ صَبْرَ هَذَا وَشُكْرَ هَذَا : وَاجِبٌ إذَا تَرَكَهُ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ ؛ وَأَمَّا صَبْرُ صَاحِبِ السَّرَّاءِ : فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا إذَا كَانَ عَنْ فُضُولِ الشَّهَوَاتِ ؛ وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا ، وَلَكِنْ لِإِتْيَانِهِ بِالشُّكْرِ - الَّذِي هُوَ حَسَنَاتٌ - يَغْفِرُ لَهُ مَا يَغْفِرُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ؛ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الضَّرَّاءِ لَا يَكُونُ الشُّكْرُ فِي حَقِّهِ مُسْتَحَبًّا إذَا كَانَ شُكْرًا يَصِيرُ بِهِ مِنْ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ ؛ وَقَدْ يَكُونُ تَقْصِيرُهُ فِي الشُّكْرِ مِمَّا يُغْفِرُ لَهُ لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الصَّبْرِ ؛ فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ جَمِيعًا يَكُونُ مَعَ تَأَلُّمِ النَّفْسِ وَتَلَذُّذِهَا : يَصْبِرُ عَلَى الْأَلَمِ وَيَشْكُرُ عَلَى النِّعَمِ ؛ وَهَذَا حَالٌ يَعْسُرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ .
وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنْعِمٌ بِهَذَا كُلِّهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يظْهَرُ الْإِنْعَامَ بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ؛ فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ فَهُوَ نِعْمَةٌ مِنْهُ ( [2] ) .
وصفوة القول : لما كان الإنسان بين نعمة يجب شكرها ، وهذا الشكر يعم عمل القلب واللسان والجوارح ، ويقتضي عمل هذه الثلاثة صبرًا لأدائه ، وصبرًا لتكميله ، وصبرًا لإخلاصه لله تعالى ، كان الصبر ملازما للشكر ؛ ولما كان الصبر عطاء من الله تعالى فهو نعمة يجب شكرها ، كان الشكر ملازما للصبر ؛ ولما كان كل متعلق بالشكر أو بالصبر هو من جهةٍ نعمة ، ومن جهةٍ ابتلاء ، كان الصبر والشكر عبادتان متلازمتان .
[1] - انظر طريق الهجرتين : 1 / 399 ، 400 .
[2] - انظر ( مجموع الفتاوى ) : 14 / 304 : 306
عبادة الاستغفار والتوبة
إذا وقع العبد في معصية ، وجب عليه الاستغفار والتوبة ، فالعبادة المطلوبة منه إذا خالف أمر ربه أن يعود إليه نادمًا مستغفرًا منيبًا عازمًا على ألا يعود للمعصية ؛ وهي عبادة لا ينفك عنها ابن آدم ، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ أَنَسٍ t أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ : " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ " ( [1] ) .
والذنوب كما تقدم إحدى الحالات الثلاث التي تدور عليها حياة الإنسان ؛ فإذا ما وقع فيه عبد وجب عليه أن يتوب ويستغفر .
والاستغفار في اللغة استفعال من الغفر ، وأصل الغفر التغطية والستر ، فالغفر والمغفرة التغطية من الذنوب والعفو عنها . والألف والسين والتاء للطلب ، فالاستغفار طلب المغفرة ، فالمستغفر طالب لمحو ذنبه وإزالة أثره ووقاية شره ، ويستلزم ذلك ستره ، وهو نوع دعاء ؛ والله تعالى هو الغفور الغفار وهما من أبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم ؛ قال ابن تيمية -: فالعبد دائما بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر ، وذنب منه يحتاج فيه إلى استغفار ، وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما ، فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه ، ولا يزال محتاجا إلى التوبة والاستغفار ؛ ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال : قال تعالى : ] وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [ ( آل عمران : 17 ) قال بعضهم : أحيوا الليل بالصلاة فلما كان وقت السحر أمروا بالاستغفار ، وفي الصحيح أن النبي e كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ، وقال : " اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " ؛ وقال تعالى : ] فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [ إلى قـوله : ] وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ ( البقرة : 198 ، 199 ) ، ولهذا كان قوام الدين بالتوحيد والاستغفار كما قال الله تعالى : ] الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ . أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ . وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا [ الآية (هود : 1 : 3 ) ، وقال تعالى : ] فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [ ( فصلت : 6 ) ، وقال تعالى : ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [ ( محمد : 19 ) ، ولهذا جاء في الحديث : "يقول الشيطان : أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار " ، وقال يونس : ] لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [ ( الأنبياء : 87 ) ، وكان النبي e إذا ركب دابته يحمد الله ، ثم يكبر ثلاثا ، ويقول : " لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي " ؛ وكفارة المجلس التي كان يختم بها المجلس والوضوء : " سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك " .ا.هـ ( [2] ) .
والاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار ، وقد مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة ؛ قال بعض العارفين : من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره ؛ وروى أحمد والبخاري في ( الأدب المفرد ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص t عن النبي e قال : " ارْحَمُوا تُرْحَمُوا ، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللهُ لَكُمْ ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ الْقَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ( [3] ) ؛ وقال الحافظ ابن حجر -: وقوله تعالى : ] وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا [ ( آل عمران : 135 ) ، فيه إشارة إلى أن من شرط قبول الاستغفار أن يقلع المستغفر عن الذنب ، وإلا فالاستغفار باللسان مع التلبس بالذنب كالتلاعب ( [4] ) .
[1]- أحمد : 3 / 198 ، والترمذي ( 2499 ) ، وابن ماجة ( 4251 ) ، والحاكم ( 7616 ) وصححه ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي وابن ماجة .
[2] - التحفة العراقية : 1 / 79 ، 80 .
[3]- أحمد : 2 / 165 ، 219 ، وعبد بن حميد ( 320 ) ، والبخاري في الأدب ( 380 ) ، والطبراني في مسند الشاميين ( 1055 ) ، والبيهقي في الشعب ( 7236 ، 11052 ) ؛ وجود إسناد المسند : المنذري في الترغيب : 3 / 202 ، وحسن إسناده الحافظ في فتح الباري : 1 / 137 ( الريان للتراث ) ، وانظر السلسة الصحيحة ( 482 ) . قال ابن الأثير في النهاية : أقماع جمع قمع ، شبه أسماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ويحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها ، فكأنما يمر عليهم مجازا ، كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازا . ا.هـ .
[4]- فتح الباري : 11 : 99 .
- المكروه والمستحب والمباح .
- كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم ، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة ، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت ( [4] ) .
، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبر عنها باليقين - أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف ؛ لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة .
.
أعلم ا.هـ ( [4] ) .
بقسطه وحلمه جعل الرَّوح والفرح في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ( [4] ) .
*+* آشنایی مختصربا دکترحمیدفرجی *+*